سيد محمد طنطاوي
570
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا : ليس هو الإسكندر المقدوني الملقب بذي القرنين . تلميذ أرسطو ، فإن الإسكندر هذا كان وثنيا . . بخلاف ذي القرنين الذي تحدث عنه القرآن ، فإنه كان مؤمنا باللَّه - تعالى - ومعتقدا بصحة البعث والحساب . والرأي الراجح أنه كان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا . ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه السلام - ، ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يهتم في قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة ، لا ببيان الزمان أو المكان للأشخاص . وسمى بذي القرنين - على الراجح - لبلوغه في فتوحاته قرني الشمس من أقصى المشرق والمغرب . والمعنى : ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذي القرنين وشأنه . « قل » لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك . « سأتلو عليكم منه ذكرا » . والضمير في « منه » يعود على ذي القرنين و « من » للتبعيض . أي : قل لهم : سأتلو عليكم من خبره - وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذي أوحاه اللَّه إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون . ثم بين - سبحانه - ما أعطاه اللَّه لذي القرنين من نعم فقال : * ( إِنَّا مَكَّنَّا لَه فِي الأَرْضِ وآتَيْناه مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً . فَأَتْبَعَ سَبَباً ) * . وقوله : « مكنا » من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التي جعلته صاحب نفوذ وسلطان في أقطار الأرض المختلفة . والمفعول محذوف ، أي : إنا مكنا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء . بأن أعطيناه سلطانا وطيد الدعائم ، وآتيناه من كل شيء أراده في دنياه لتقوية ملكه « سببا » أي سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده ، كآلات السير ، وكثرة الجند ، ووسائل البناء والعمران . وهذه الأسباب التي أعطاها اللَّه إياه ، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها ، فعلينا أن نؤمن بأن اللَّه - تعالى - قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم ، ملكه ، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات لا قيمة لها . والفاء في قوله * ( فَأَتْبَعَ سَبَباً ) * فصيحة . أي : فأراد أن يزيد في تدعيم ملكه ، فسلك طريقا لكي يوصله إلى المكان الذي تغرب فيه الشمس .